Loading...
Larger font
Smaller font
Copy
Print
Contents

خواطر من جبل البَرَكَة

 - Contents
  • Results
  • Related
  • Featured
No results found for: "".
  • Weighted Relevancy
  • Content Sequence
  • Relevancy
  • Earliest First
  • Latest First

    « أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ » (متى 5: 44)

    إنّ تعليم المُخَلِّص القائل: « لا تقاوموا الشّرير » (متى 5: 39 ترجمة سنة 1878م) كان قولا قاسياً وجّهه إلى اليهود محبي الانتقام فتذمروا عليه في نفوسهم. ولكن ها هو يسوع الآن يقدم تصريحا أقوي إذ يقول: « سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ » (متى 5: 43-45) ArMB 35.6

    هكذا كان روح الناموس الذي قد حرّفه المعلمون كأنّما قد صار قانونا باردا وفروضا صارمة. وقد كانوا يعتبرون أنفسهم أفضل من باقي الناس ومستحقّين لرضى الله الخاص بفضل كونهم من نسل إسرائيل، ولكن يسوع أشار إلى روح المحبة الغافرة على أنّها البرهان الذي يدل على أنّهم مدفوعون بدوافع أسمى حتى من دوافع العشارين والخطاة الذين كانوا يحتقرونهم.ArMB 36.1

    وقد وجّه انتباه سامعيه إلى ملك الكون الذي دعاه باسم جديد « أبانا ». لقد أرادهم أن يفهموا بأية رقة وبأي حب يشتاق إليهم قلب الله. وهو يعلم أنّ الله يهتم بكل نفس ضالة حتى « كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ » (مزمور 103: 13). مثل هذا التفكير عن الله لم تقدمه قط أية ديانة للعالم إلاّ ديانة الكتاب المُقَدَّس. إنّ الوثنية تعلم الناس أن ينظروا إلى الكائن الأعلى كمن هو مصدر الرعب لا كمصدر الحب — كإله حقود خبيث يجب استرضاؤه بالذبائح، لا كآب يسكب على أولاده هبة محبته. وحتى شعب إسرائيل كانت بصائرهم قد عميت عن تعليم الأنبياء الثمين عن الله حتى أمسى هذا الإعلان عن محبته الأبوية وكأنه موضوع جديد وهبة جديدة للعالم.ArMB 36.2

    كان اليهود يعتقدون أنّ الله يحبّ من يخدمونه — وهؤلاء بحسب فكرهم، كانوا الذين تمّموا مطاليب المعلّمين — وأنّ كل باقي العالم واقع تحت طائلة غضبه ولعنته. ولكن يسوع قال كلاما غير هذا، فالعالم بكل من فيه من أشرار وأبرار يتمتّع بشمس محبته. كان يجب أن تتعلموا هذا من الطبيعة نفسها لأن الله « يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ » (متى 5: 45).ArMB 36.3

    إنّ الأرض تنتج ثمارها وخيراتها وتظل دائرة حول الشمس سنة بعد سنة، ليس بسبب قوة فطريّة فيها. فإنّ يد الله تهدي الكواكب وتبقيها في مداراتها في سيرها المنظم في السَّمَاوَات. فبقوته يتعاقب الصيف والشتاء والزرع والحصاد والليل والنهار كلِّ بعد الآخر في تتابع منظم. وبكلمته ينمو الزرع ويزدهر وتظهر الأوراق وتتفتح الأزهار. فكل خير نناله وكل شعاعة من نور الشمس وسيول المطر وكل كسرة خبز وكل لحظة من لحظات الحياة هي هبة من هبات المحبة.ArMB 36.4

    فعندما كانت أخلاقنا منفّرة ومشوهة « مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا » رحمنا أبونا السماوي. « حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا » (تِيطُس 3:3-5). فإذ نقبل محبته فهي ستجعلنا كذلك لطفاء ومحبين ليس فقط لمن يرضوننا بل أيضا لمن هم أكثر الناس ذنباً وخطأً وإثماً.ArMB 36.5

    إنّ أولاد الله هم شركاؤه في طبيعته. فليس المقام الأرضي ولا المولد ولا القومية ولا الامتياز الديني هو الذي يبرهن على أنّنا أعضاء في أسرة الله. ولكنّها المحبة — المحبة التي تحتضن كل البشرية. وحتى الخطاة الذين لم يغلقوا قلوبهم تماما دون روح الله سيستجيبون للرفق واللطف. ففي حين أنّهم يقابلون الكراهية بكراهية نظيرها فإنّهم سيقدمون محبة مقابل محبة. ولكن روح الله وحده هو الذي يقابل الكراهية بالمحبة. إنّ كوننا نشفق على غير الشاكرين والأشرار، وكوننا نعمل خيرا دون أن ننتظر شيئاً مقابله هو وسام الأسرة المالكة في السماء والعلامة الأكيدة التي بها يعلن بنو العلي منزلتهم العالية.ArMB 36.6